كلمة الافتتاح : المجلات العلمية العربية والانطلاق نحو العالمية

سالم محمد السالم

المستخلص

تعتمد سمعة البحث العلمي في أي مجال من مجالات المعرفة على عدد البحوث المنشورة في المجلات العلمية العريقة (المعروفة لدى هيئات التصنيف)، وتأثير هذه البحوث من خلال عدد مرات الإشارة إليها في دراسات الآخرين. ويعد النشر العلمي العالمي أحد أهم المقاييس المستخدمة لتقدير مستوى النتاج العلمي، إذ لا قيمة للعلم إذا لم يتم نشره وإتاحته لخدمة البشرية، وذلك من منطلق أن العلم عالمي النزعة، وأن المعرفة لا وطن لها، حيث أصبحت ذات صبغة عالمية بفضل استخدام تقنيات المعلومات والاتصالات التي سهلت التواصل بين العلماء والباحثين بغض النظر عن الحواجز الجغرافية. وقد تضاعف في السنوات الأخيرة الحراك العلمي والنشر في المجلات العلمية المتميزة نتيجة لزيادة أعداد الباحثين النشطين على المستوى العالمي، وأصبحت الساحة العلمية تشهد تنافساً بين الباحثين النشطين للنشر في المجلات العالمية خاصة المدرجة في قواعد بيانات معهد المعلومات العلمية – تومسون رويترز. وحتى من لم ينشر سابقاً في هذه المجلات بدأ يحرص على النشر فيها، ومن كان إنتاجه العلمي في السابق ضعيفاً بدأ في الآونة الأخيرة يزداد رغبة في الوصول إلى العالمية. ومن الملاحظ أن الجامعات تتصدر القائمة من بين المؤسسات الأخرى المعنية بالإنتاجية العلمية، إذ برغم أن جميع قطاعات الدولة مسؤولة عن النهوض بالبحث العلمي، ونشر نتائجه، وإتاحته للآخرين من خلال شبكة الإنترنت، فإن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الجامعات. ولا غرو في ذلك إذا أخذ في الحسبان التميز العلمي لهذه المؤسسات العريقة، وتكاد هذه الظاهرة تشكل سمة عالمية، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية التي امتازت بريادة جامعاتها في هذا المضمار، وقد آن الأوان لتوسيع دائرة النشر المحلي في العالم العربي بحيث يدور في فلك أوسع، وينطلق نحو العالمية، ونحو خدمة البشرية. وهذا هو ما أخذت به الدول المتقدمة، وبدأت في الآونة الأخيرة بعض الدول النامية تحذو حذوها، ومنها البرازيل والهند وسنغافورة والصين وكوريا الجنوبية وغيرها. الأمر الذي قد يوحي بإعادة النظر في النشر في المجلات العلمية المحلية والعربية لأنها قد لا تكون معتمدة دولياً، وربما لا قيمة علمية لها خارج حدود الوطن، فضلاً عن قلة عدد الباحثين في العالم العربي الذين يحرصون على متابعة النتاج العلمي المنشور. إذ لا تزال غالبية المجلات العلمية العربية تعاني من الانعزال العالمي، مما يستدعي معالجة القضية، وتقييم الوضع الراهن في ضوء معايير النشر العالمي، وتشجيع الكوادر العلمية في مؤسسات التعليم العالي على النشر العلمي في المجلات العالمية. إن نشر البحوث العلمية التي يقوم بها أعضاء هيئة التدريس خاصة المتميزين منهم يشكل أهمية وطنية وإقليمية وعالمية، وبالتالي فينبغي تشجيع هذه النخبة على النشر في المجلات العالمية المعتبرة. ولعل الجامعات العربية أحوج ما تكون إلى ترجمة هذه الفكرة إلى واقع ملموس، خاصة في ضوء التطورات المعاصرة، والتنافس بين هذه المؤسسات على تحقيق الجودة والتميز في النشر العلمي. وتمشياً مع الاتجاه السائد نحو عولمة المعرفة، فقد أصبحت حقاً مشاعاً للجميع، من خلال نشرها والتعريف بها في الشبكة العنكبوتية العالمية. ونحسب أن غالبية الجامعات العربية مؤهلة لهذه المهمة الجليلة نظراً لما يتوافر فيها من البنية العلمية والبحثية الجيدة، والكفاءات العلمية المؤهلة التي ينظر إليها المجتمع على أنها صفوة الباحثين، وقادة الفكر، وحملة العلم، وأنصار المعرفة. فالنشر هو زكاة العلم، وهو ضرورة تفرضها ظروف العصر، وتدعمها النقلة التقنية السريعة التي سهلت انسياب المعرفة وتدفقها على المستوى العالمي، وجعلتها حقاً مشاعاً لجميع من يرغب في الوصول إليها. وخلاصة القول، إننا نستطيع أن نستشف من خلال استقراء المعطيات السابقة المكانة التي يحتلها النشر العلمي العالمي في الجامعات المعاصرة، الأمر الذي يحفز على تبني رؤية في هذا السياق، ووضع إستراتيجية يتاح من خلالها للباحثين المتميزين فرص الإبداع، وتعزيز روح العلم في البيئة الأكاديمية عن طريق النشر في المجلات العلمية العالمية المعتبرة التي شقت طريقها بقوة، واكتسبت سمعة مرموقة في الوسط العلمي، وبالتالي تسهيل الاتصال العلمي، والتبادل المعرفي.

تعليقات القراء